الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

34

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

وقوله : « كذبوا » بيان لدأبهم ، استئناف بياني . وتخصيص آل فرعون بالذكر - من بين بقية الأمم - لأنّ هلكهم معلوم عند أهل الكتاب ، بخلاف هلك عاد وثمود فهو عند العرب أشهر ؛ ولأنّ تحدّي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم شيئا تجاه ضلالهم ؛ ولأنّهم كانوا أقرب الأمم عهدا بزمان النبي صلّى اللّه عليه وسلم فهو كقول شعيب : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [ هود : 89 ] وكقول اللّه تعالى للمشركين : وَإِنَّها لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ [ الحجر : 76 ] وقوله : وَإِنَّهُما لَبِإِمامٍ مُبِينٍ [ الحجر : 79 ] وقوله : وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ * وَبِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ [ الصافات : 137 ، 138 ] . [ 12 ، 13 ] [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 12 إلى 13 ] قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهادُ ( 12 ) قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشاءُ إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصارِ ( 13 ) استئناف ابتدائي ، للانتقال من النذارة إلى التهديد ، ومن ضرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر ، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأنّ أمرهم صائر إلى زوال ، وأنّ أمر الإسلام ستندكّ له صمّ الجبال . وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها ؛ لأنّ المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة ، والتذكير بوصف يوم كان عليهم ، يعلمونه . وَالَّذِينَ كَفَرُوا * [ البقرة : 39 ] يحتمل أنّ المراد بهم المذكورون في قوله : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ * [ آل عمران : 116 ] فيجيء فيه ما تقدّم والعدول عن ضمير ( هم ) إلى الاسم الظاهر لاستقلال هذه النذارة . والظاهر أنّ المراد بهم المشركون خاصّة ، ولذلك أعيد الاسم الظاهر ، ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعده : قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ إلى قوله يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وذلك ممّا شاهده المشركون يوم بدر . وقد قيل : أريد بالذين كفروا خصوص اليهود ، وذكروا لذلك سببا رواه الواحدي ، في أسباب النزول : أنّ يهود يثرب كانوا عاهدوا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلى مدّة فلمّا أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة . نقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم : لتكوننّ كلمتنا واحدة ، فلمّا رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه الآية .